رسالة واحدة كانت كافية لوضع آلاف اللبنانيين أمام معضلة لم يكونوا فريقًا فيها عند شراء هواتفهم: أجهزة تمّ شراؤها من السوق اللبنانية، بعضها منذ سنوات، بات أصحابها اليوم أمام مطالبة بتسديد رسوم جمركية، وسط أسئلة تتجاوز قيمة الرسم إلى أصل المسؤولية عنه.
فإذا كان الهاتف قد دخل إلى لبنان من دون تسديد الرسوم المتوجبة عليه، فالمسؤل الّذي استورده وأدخله إلى السوق وباعه، أم المواطن الذي اشتراه من متجر لبناني ودفع ثمنه؟
هذا السؤال لم يعد نظريًّا بالنسبة إلى الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان، الّذي اشترى هاتفه حديثاً من أحد المحال التجارية في لبنان، قبل أن تصله الرسالة المتعلقة بالرسوم. اتصل بالمتجر مستفسرًا، فكان الجواب أن الرسوم الجمركية مدفوعة ويجب عدم القيام بأي إجراء.
لكن الرسالة موجودة، وكذلك احتمال توقّف الهاتف عن العمل. ويقول أبو سليمان لـ"النشرة": "وقعت في حيرة. اتصلت بالمحل الذي اشتريت الهاتف منه، فقالوا لي إن الرسوم الجمركية مدفوعة وألا أفعل شيئاً. لكنني لا أعرف ماذا أفعل. فإذا توقف الهاتف عن العمل فستكون مشكلة، لأن كل عملي موجود عليه".
بين تأكيد المتجر والرسالة التي وصلته، بات أبو سليمان مطالباً عملياً بأن يُبتّ بنفسه في خلاف لا يملك أدواته. وحاله ليس استثنائياً، مع إثارة قضية نحو 215 ألف جهاز خليوي تطالب الجهات المعنية بتسوية الرسوم المتعلقة بها.
لكن القضية تصبح أكثر تعقيداً مع الحديث عن وجود أجهزة قديمة بين الهواتف المعنيّة، بعضها يعود إلى سنوات سابقة. وهنا يبرز سؤال آخر: إذا كانت قد دخلت السوق وعملت على الشبكات اللبنانية طوال هذه الفترة، فأين كانت الرقابة عند دخولها؟ ولماذا كُشِفَ في هذا الوقت أن الرسوم على هذا العدد الكبير من الأجهزة لم تُسدّد؟
رئيس نقابة العاملين في قطاع الخلوي والاتصالات بول زيتون يختصر اعتراضه بسؤال باللهجة اللبنانية: "شو فاقوا"؟. ويسأل عبر "النشرة": "على أي أساس أُرسلت هذه الرسائل إلى الأشخاص"؟.
ويشير إلى أنه "في الماضي كنا نعرف أن بعض الوكلاء هرّبوا الهواتف الخليوية، لكننا لا نعرف إذا كان الأمر لا يزال مستمراً حتى اليوم"! معتبراً أن "هناك علامة استفهام حول ما حصل، ولماذا تذكروا فجأة أن هذه الهواتف غير مسدّدة الرسوم الجمركية"؟!.
لكن الاعتراض الأخطر يتعلق بتوقيت مطالبة المواطنين بالدفع فيما الملف، وفق زيتون، "أصبح أمام القضاء، وطالبنا وزير الاتصالات بتجميده إلى حين صدور القرار القضائي في هذا الشأن".
وهنا تبرز مفارقة أساسية: ماذا لو دفع المواطن اليوم، ثم انتهى القضاء إلى تحميل المستورد أو الوكيل مسؤولية تسديد الرسوم؟
هذا تحديداً ما يطرحه زيتون، قائلاً: "ماذا يحصل بالأموال التي استوفتها الدولة"؟. ويضيف: "عتبنا على وزارة الاتصالات أنها لم تبادر إلى تجميد هذا الملفّ وإيقاف كل شيء".
القضية إذاً ليست دفاعاً عن التهرّب من الرسوم، ولا اعتراضاً على حقّ الدولة في تحصيل أموال الخزينة. فالمشكلة هي وجوب تحديد من يجب أن يدفع قبل بدء التحصيل.
فإذا ثبت أن رسوماً جمركية لم تُدفع على آلاف الأجهزة، فإنّ ذلك يفتح سلسلة كاملة من الأسئلة: من استوردها؟ كيف دخلت؟ من طرحها في الأسواق؟ كيف فُعّلت على الشبكات؟ ومن كان مسؤولاً عن التأكد من تسديد الرسوم قبل وصولها إلى المستهلك؟
أما المواطن الذي دخل إلى متجر لبناني واشترى هاتفاً ودفع ثمنه، فكيف كان يفترض به أن يعرف ما إذا كان المستورد قد أدّى الرسوم الجمركية عند إدخال الجهاز إلى لبنان؟
وماذا عن المواطن الّذي كان خارج البلد وعاد الى الوطن حاملاً هو وعائلته أجهزة اشتروها من بلدان الاغتراب حيث كانوا؟ قد تكون هذه الأسئلة بحاجة الى المنجّمين "الّذين كذبوا ولو صدقوا"؟
والسؤال الأكثر إحراجاً يبقى في مكان آخر: إذا كانت الدولة قادرة اليوم على تحديد 215 ألف جهاز تعتبر أن رسوماً متوجبة عليها، فكيف عبرت هذه الأجهزة كل المراحل السابقة ووصلت إلى أيدي أصحابها قبل اكتشاف المشكلة؟
استعادة حقوق الخزينة واجب، وملاحقة أيّ تهرب جمركي واجب أيضاً. لكن ذلك لا يلغي قاعدة يفترض أن تسبق التحصيل: تحديد المسؤول أولاً.
لأن مالك الهاتف قد يكون آخر شخص في سلسلة طويلة بدأت عند الحدود الجويّة او البحريّة أو البريّة وانتهت في متجر، ومن الصعب إقناعه بأن خللاً لم يصنعه ولم يكن قادراً على اكتشافه أصبح، بعد سنوات، فاتورة عليه أن يسددها.
وقبل أن يُطلب من أصحاب 215 ألف هاتف فتح محافظهم، يبقى السؤال الذي يحتاج إلى جواب واضح: من الذي لم يدفع للدولة فعلاً... المواطن أم من أدخل الهاتف وباعه ومحاسبة من غضّ الطرف على التهريب؟ فهل اعتاد المسؤولون الاستسهال بمدّ يدهم على جيوب المواطنين؟!





















































